موسيقى في المقهى

06/11/2011

ضجة ما بعدها ضجة تدب في عظام الرأس من الخلف وترتد بخفة عبر خطوط متعرجة في محاولة منها لإنقاذ ألم في الرأس قد يحدث وما حان موعده بعد، ولكن يمكن في حالة مثل هذه إعادة صف وتشكيل مجاميع الأصوات المتناثرة لتتضح منها في النهاية ملامح مقطوعة موسيقية فريدة ومتوافقة في فوضى خلاقة، فالأجدر بهذه الأصوات التي تأتي توالياً وتوازياً وتزاحماً أن تُشكل فيما تتصاعد نوتةً لا إنتهاء لها، كيف لا وهي في مجملها أصوات بشرية منتشرة في المدى، فهذه حنجرة أم كلثوم تتصاعد عبر مكبرين للصوت يتواجد كل واحد منهما في طرف من المقهى، وهذه حناجر الرجال المبحوحة أصواتهم بفعل التدخين المزمن، ورجال آخرين ملمّعين قابعين خلف طاولة في ركن بعيد نسبياً لئلا يؤذيهم رفع الصوت أو يوسّخ قمصانهم البيضاء، وصياح أطفال يبيعون الحلوى والنعناع يجيئون ويغيبون واحد تلو الآخر كي لا يطردهم صاحب المقهى، وخلف كل هذه الأفواه والحناجر يقف كورال مكوّن من ماكينة لطحن القهوة وأخرى لغليها وثالثة لتغليفها، وفي الواجهة جمهور من السيارات لا عدد لأشكالها وألوانها، وأرجل أناس تتخبّط في الطريق المحاذي زرافاتٍ وعرفانا، وأنا وسطهم أحاول أن أرتّب هذه الشظايا لأكوّن منها عبوة ناسفة تفجّر هذا الملل القابع في كل جزء من هذا التكوين اللانهائي من التفاصيل التي تغلّف المدينة، وتأتي هنا الموسيقى درامية وهادئة بما يتناسب مع مشهد الإنفجار العظيم.

رقصة شعبية

28/10/2011

يبدأ الرقص قبل أن يبدأ العزف، وهذا ما بدا واضحاً على وجوه كل من حضر الحفل لا للمجاملة فقط، بل للحظو بساعة فرح وضوضاء يفرغ فيها كل أوجاع الحياة التي تترسب في ذهنه الضحل الممتليء، ففي وجه هذا سمرة شعبية تنم عن جذور لها علاقة بالدبكة الشعبية وفي وجه آخر بياض ينم عن ذوقه أبيه الرفيع في سماع الموسيقى الذي ورثه للأبناء، وفي وجه ذاك شحوب يظهر بين ثناياه تردد بين السالسا والتانغو، وفي إفريقية وجه ذاك وشعره تبدو الرقصات البربرية أوضح من أي شيء آخر أسفل عينيه، هكذا بدا الجالسون على الكراسي البلاستيكية في إنتظار أن يأذن المغنّي لفرقته التي ما تلبث إلا أن تقلب شارع الحي إلى شعب من الراقصين لا يقطع رقصهم إلا خوف المغنّي من ثورة الرقص وجنونه، فيتقمص دور إله الرقص ويبدأ وحده بتنظيم الحشود فيبعد الراقصين العشوائيين عن المنصة ويطالبهم بالحضور خمسة تلو خمسة وبعد شطحات من الصياح يستجيب البعض فيظهر برود الأجساد في أنحاء المنصة، فيتردد المغني ويعلي صوته مرة آخرى أن تعالوا، فتأتي الخواصر والأكتاف والأقدام من حيث لا يحتسب، ويستمر الرقص مجدداً إلى ما لا يعلم أحد، فكل واحد من الحضور كان منشغلاً وقتها برقصته الخاصة التي لا علاقة لها في أغلب الأحيان بباقي الرقصات من حوله، الكل هنا على منصة القربان يضحي بسوائله التي تندلق من الأجساد مثل الدم على الأرض، وفي حضرة الدم والعرق تجد الجميع يتبادلون الصرخات والهتافات ويتقابلون بحركات الأيدي العشوائية وركلات الأرجل المختلفة وحني الأجساد الكبيرة والصغيرة، ووقفزات ثم قفزات وصخب لا يعلم به إلا الله. والمشهد الأكثر درامية من كل الصخب السابق، هو توقف فرقة العزف والمغنى معاً في فجأة مريبة يُفهم مرادها فيما بعد على أنها فترة إستراحة قصيرة خلال الحفل، وقبل إطلاق الجزء الثاني من الحفل يبدأ المغنى مواله غريب الكلمات والمعاني، الذي لا يمت غالباً بصفة للهجة الحي، والأكثر غرابة من الموال، هو ترديد الراقصين له بالكلمة والحرف، فيزيد هذا الترديد من حماس الحشود مما يساعد في الإصطفاف اللإرادي وسط المنصة في صفين يتقابل كل صف منهم بالأكتاف، متمايلين يمين ويسار ببطء يتناغم مع الموال، وليس من عادة الموال أن ينتهي، ويبقى الشعب يتمايل، ويبقى الموال غريبٌ يسيّرهم.

بعد ما ذُكر، بات من الواضح في تحليلي الوضيع، والمُدرك في خيالي الرضيع، أنه لم يعد بالإمكان إيجاد صيغة أكثر واقعية لتفسير حالة اللاوعي وغياب الرؤيا والمعاني أفضل من مشهد شعب يرقص بلا هدف.

النفَس الأخير

24/07/2011

مما لا شك فيه أن الكتابة الملتهبة المشحونة بعبارات النار والعرق هي بطريقة أو بأخرى مجاز حرب، فبالإمكان أن يراوغ الكاتب ويشيد من كلامه نصباً يرتعش من خمر عشيقين في السرير ويحسبه القاريء الرزين قولاً في تكتيكات الحروب، وفي جهة أخرى فيشربه ذا الهوى عشقاً سائغاً، وما هذا النثر إلا محاولة لإعادة إنتشار الذاكرة الجماعية وتمركزها خوفاً عليها من الفقد، فخذ ما يكفيك، واترك الباقي كي يشرب الآخرين، لإن هذا الورد لم يزد مدينتنا إلا عطشا.

منذ البداية، لم يكن الازدحام حدثاً غريباً على الحي، لأن ما سيكون مفاجئاً ومباغتاً ليس هذا وإنما سيحدث بعد قليل، ولأن التلاميذ كانوا يُسلّموا فصولهم لطلاب الفترة الثانية، فقد كان شارع المدرسة مليء بأطفال من الحواري المجاورة كلها، أطنان من البراءة والشقاوة ومن اللون الأزرق تسير عبر الشارع المبلل من أثر الشتاء في اتجاهين، إما إلى البيت، أو إلى المدرسة، ولأن الرجال العائدون من السوق كانوا يحتلون جزءاً من هذا التكوين اليومي المثير، وشيوخ إلى المسجد مُسرعين، وباعة على الرصيف متمترسين، ونساء يمسكن أيدي أطفال، ونساء يحملن أكياس، ونساء يدخلن البيوت، ونساء لا يدخلن البيوت، وسيارات بيضاء وصفراء تحرّك واجهاتها تلميعاً للزجاج بعد المطر الخفيف ويكفيها أن يقف مؤشر السرعة عند أربعين كيلومتر في الساعة، وتقنع، ولأنها بداية الأسبوع، لم يكن هذا الإزدحام حادثاً غريباً إطلاقاً.

وفي الأنحاء المجاورة لم يكن الأمر يختلف كثيراً، إلا في درجة الإزدحام، ولم تكن هذه الأعداد الكبيرة من الناس التي تسكن الأحياء والمُخيمات تثير في المُتأمل دهشة من نوع خاص، فقط أناس تمشي إلى عمالتها ومصالحها، وأناس تركب السيارات التي تقف أينما أراد الراكب لا قوانين المرور، الوجوه هنا كلها متشابهة، وأينما وقعت عينيك تجد شحوباً غارقاً في التفكير، كل الناس هُنا تفكر وتفكر في الخلاص الفردي أو الجماعي، أو في اللاشيئ، ولا أحد يفتتح الصباح في وجه حقول ورد، إنما غابات من السواد ترتسم على وجوه الناس كدراً أو فقراً، وكأن هذا القوم برمته لا يعدو سوى كونه كتلة من الهموم تمشي على الأرض، وليس هذا في مجمله وصفاً لأرض إليوت الخراب، إنما هو محاولة للإلمام بتجاعيد الرجال، وعرق جباههم، ولتعريف ما يمكن تعريته مما يشغل خيالاتهم.

أما الوطن فقد كان كعادته كل صباح، يحمل أمتعته ويتمشى محاولاً تعريف نفسه: فهو تلك الأوشام التي طُبعت على الأجساد ثم هرمت، هو الحدوتة والأسطورة القديمة التي حدّث عنها المُحدّثون ولازالوا يفعلون، وهو شجرة على شباك أي منفى، وهو حالة الوعي الدائمة، حالة النعي الدائمة، الحالة الشعورية التي لم يختلط بها مادية ما أو برتقال ما، الوطن هو ما يتبقى من رائحة المدرسة والإذاعة الصباحية، هو المفقود الرومانسي التاريخي، وهو المادة اللاصقة التي لا فكاك منها، هو انتصارات رجل الدين، وجبروت العسكري، ودموع العاشق، وهو اندلاق الأطفال من طفولتهم إلى الشارع، ووحي الشاعر، ومُلهم المغنّي، وألوان الرسّام وريشته، هو رائحة الحطب، ومخدة من ريش نعام، وبيت طيني، وخيال جامح حول خواصر النساء.

وفي الصباح المليء بالمزاريب وبطرقات الماء الخفيفة على ألواح الحديد، وسط رخاء المفردات هذا، وبدون انتباه، بدأت الحرب، ولما انتهت المدينة من تجميع اللحم المطحون مع المعادن ووضعه في أكياس ولمّه أكوام أكوام، أفاق الجميع من كابوسهم وبدأت رحلة اليُتم والترمّل.

كلام في الهوى

02/05/2011

نختلف أنا وهي، إذ ننفصل متفقين أن نلتقي هنا على بعد حزمة من الأغنيات والصفحات البيضاء والكلمات والحبر الجاف، تجلس إلى جواري تكتب عن الإنسان الضحية، تحدثني عن دموع الضحايا وحزن الضحايا، وتسرق من تفاصيلهم حتى تصل لمسامات جلد الضحايا، تحدثني عن كل ما يمكن أن يُحدّث به الحُر عن سجنه القديم، ولا تلتفت إلى شيء حين تكتب إلا إلى انثناءات الحروف، فأراها مستلقية في صحن حرف النون، أو تمتطي لاماً، أو تحضن ألفاً، أو أراها في أفق الغروب تشق إبطيها كي تستند إلى حرفي الحاء والباء، وإن حاولت أن تصنع من أمنياتها كلاماً فلا تلبث إلا أن تحرّك أصابعها مثلما تدير الراقصة خصرها، وإن هزّت خصرها تساقطت عليّ الشهوات من حيث لا أدري، وأرى قامتها تتمايل بين الغيوم، وتتمدد أذرعها شارعان طويلان، وتخضّر أقدامها، وتنثني رقبتها كي لا تصدم القمر، هي كذلك إن أرادت أن تكتب، تحشرني في خيالي الجامح حول: ماذا تفعل الآن؟ وتتركني أتراشق أنا والأسئلة الحدس الكسول، فمثلاً، كي تبدأ، لا علم لي ولا حدس إذا ما اختارت أصابعها: القاتل أم الضحية، ربما اختارتني الشاهد على ما حدث، وربما أجّلتني لحديث آخر. وأعرف أني مهما غلوت في التخمين فلا هداية إلى نصيب من الحق حتى. لهذا أحب رائحتها المفاجئة، وكلامها المفاجئ، وجمالها المفاجئ، وقبلاتها المفاجئة، ونومها المفاجئ، أحبّ كُل ما تُسر وما تُعلن، وكل ما تفكر به، وكل ما لم يطرأ على بالها يوماً. وأحاول ـ مرتدياً سترة من كلام ـ أن أقاسمها الهوى وألا أصرخ في وجهها بكل ثقة وبلا أي وهم: يا ابنة والديكِ، أحبك. لا، لا أقول لها ما أريد بحدة هذا الوضوح السافر، بل أجتاح الغزل من أوسع جنباته وألقيه على مدينتنا، وعلى حياتنا العائمة فوق محيط من أجزاء الأجزاء والأفكار، وأسألها: من هذا الأسطوري الذي يقدرُ على العيش داخل قاعة سينما منذ أن نام أبواه على السرير إلى أن ينام هو في التابوت، في القاعة المعتمة، التي لا تنتهي أفلامها التراجيدية والكوميدية والتاريخية والرومانسية والدرامية، مجبوراً إلى النهاية والعرض في غزة مُستمر؟ وأزيد إجابة أو اثنتين كي تتأكد أن جسدها هو مدينتي، وأنني لا سوايَ هذا المرابط البسيط. وفي استسلامٍ آخر لمنابع الشوق أقول لها مثلا: أنا في حالة اشتياق عارمة، لكثير من الأشخاص، والأفكار، والتواريخ، والأغاني، والقصائد. وأزيد بنبرة المنتصر بعد انتهاء المعركة، ولكي تهدأ: هذا بالمجمل ما يعنيه أنّي أشتاقك يا طعم السكّر ويا نشوة السكْر.

جدار غير عازل

28/03/2011

[1]

نتشارك من التفاصيل ما يكفي ليُوحّدنا ويكثّفنا كأسطورة، نتشارك في ردّة صوت القذيفة وصورتها، وفي شكل أشلاء الزجاج المتطاير، في بحة صوت سيارات الإسعاف ولونها، وفي رائحة الموقع المختوم بالقذائف، يا لنا من محظوظين، فعلاً نحنُ الفلسطينيون محظوظون.

[2]

عندما تتشبع من أحلامها، وتنتهي قيلولتها، وتحاول أن تزيح عن جسدها آخر آثار الكسل، يفتتح الكون صباحه، وترشّ الدكاكين ـ الآن ـ عتباتها بالماء، وباعة الكعك يتسابقون إلى شموسهم، وعندما تقف وتتحرك خطوة بعيداً عن سريرها، ينتهى النهار، ينتهى الكون كله.

[3]

وكأن لغم إنتظار إنفجر في صدري، مثل رجلٍ على باب مستشفى لا يعرف كيف يربط يديه ولا في أي إتجاه يحرّك قدميه، وإن استند على جدار أفاق على صوت ذكرياته، يستطيب الإحتمالات الجميلة ويرسم صورة طفله البكر، وما يلبث أن يخاف، فيتمشى قليلاً، وينتظر.

[4]

يا أوّل وآخر جدار أستند إليه، يا ظهري إن لاح التعب، يا وقت الشاي في المقهى، يا طعم الطريق في فم الهواء، يا إندلاق العِطر من الوردات، والقمح الأشقر من السنبلات، يا شكل اللوز حين يتدحرج، وملمس التين حين ينضج، يا صفة الأمومة وفتح الأذرع وشكل الحُضن.

[5]

تباً لمرضها إذ لا تُشابهه كارثة في ذاكرة البشرية، لا مقتل هابيل، ولا ضياع القدس، ولا سقوط الأندلس، ولا الحربين الأولى والثانية، ولا محرقة الهولوكوست، ولا نكبة فلسطين، ولا العولمة، ولا مجاعات إفريقيا، ولا موجة تسونامي، ولا الإحتباس الحراري، ولا حتى حرب غزة.

[6]

الميتابوليزم: هي العمليات الجوهرية التي تقوم عليها عملية استمرار الكائنات الحية وهي العمليات المتصلة ببناء المادة الحية الاساسية في الخلايا الحية وبشكل خاص التغيرات الكيميائية التي تحدث في الخلايا الحية لتامين الطاقة اللازمة للتفاعلات الحيوية التي تمثل بها الخلايا الجديدة تعويضاً عن المندثر منها، وهكذا الحُب.

[7]

في الزيارة الأخيرة، كان الضريح مُختبئاً في ظل صفصافة، هادئاً إلا من أثر الهواء الطفيف، وعرق الشاهدة الرخامية مثل زحف الماء من موارده، إلى الجداول، إلى السنابل، إلى كل الحقل، كان الضريح نائماً مغطبتاً، سعيداً بحظه وربما كان يحلم، وأبي داخله أبيض يتنفس.

ولقد ذكرتُك

06/03/2011

للأشياء القديمة بحة ناي في أقاصي قلاع التذكر، ولمذابح الشوق في حضن محصّن بالإنعتاق ألف قربان وهدية، وفي الصدر العتيق ألف رقصة وقصة، ولهوامش كل زمن مجاميع من التفاصيل المدروسة لتتوالى بنسق رتيب مؤتلف، وللمفردات الضاربة في عمق الخرافة نصيبٌ في كل شبر من جسد مُعرّى أمام وطأة الذكريات ومُحتشم أمام اللغة، وللخيل الهارب في الشمس إحتجاجاً على تعبيد الطريق شارة نصر وكرنفال حرية، ولمدينة ما طلع النهار عليها إلا إحتراماً لشهدائها وما نزل الليل فيها إلا حفاظاً على أسرارها ثورة من نشيد، ولبيت من الشعر يترنّح بين فكيّ الغزل، وينام على ناصية من وله، سلام الثائرين وتحياتهم إذ انتصروا، ولزرقة المُتوسط وذهب الشرق عالم من الأسئلة، لوداع أمي عند باب البيت وقبلاتها أينما حطت شفتاها على وجهي صلاة لا تنتهي، لغرفة محشوة بالأطفال وملابس الشتاء ولوحات عن الصيف ونوافذ عالية، لباب من حديد أحمر، ولمراجيح لا تحط عليها العصافير، ولغرفة الألعاب المجاورة، ولقطع الطين الملوّنة، ولمُعلمتنا التي تعرف الله ولا تعرف شكله، صِدق النبي، ولموكب الإله العائد هو وجنوده من كُل البلاد إلى الدولة تاريخ من إنتظار، ولمروره بباب البيت لمحة عن الفردوس، ولإبتعاد سيارته في المدى تلويحات الفرسان لأهل القُرى، فهل يعود؟ وللعلم والسارية، ولفرقة الكشافة، ولطابور الصباح وللنشيد الوطني، وللإذاعة المدرسية، ولترتيبنا في الفصل، وللسور والسرو، وللمقصف وللشجار، ولبيع النحاس، ولشراء القصص، ولأصدقاء الفصل، ولنضال، وللتجمعات والأضواء وعالم الشهرة وللزوار، ولأهالي الحي ولتوزيع الجوائز والشهادات وللضياع في الأحياء الخلفية، ولبروز اللحى والشوارب ولشرب القهوة، ولفهرسة الأغاني والصُور، وللكتابات الأولى وللمذكرات، وللرسائل التي كانت تحملها الشقيات للعاشقات من الفتية، ولمقايضة الأعيرة النارية بالكُتب التجارية، للأيام الأخيرة بين الطاولات، للمُعلّم، لتخوم المدينة وهجرتها، وللماضي كُله، ولسديم الذكريات، وللذاكرة التي إذا ما هش عليها ماضي بطرفه إنفرطت مثل كيس ريش في الهواء، لهذا كله ولأكثر منه أربطة الكون وحباله وأقفاله كي لا تتسوّس ذاكرتي وتُثقب، وكي لا أغفل فستان حبيبتي الجديد، وكي تصُدق أني أؤجّل الكلام الجميل لا أنساه، كي تؤمن أنني لم أفقد شيء من الذاكرة بعد.

إقتباس

12/12/2010

لم تعد تلفت إنتباهي الإقتباسات والجمل المُدهشة في وقعها الأول، المأخوذة من الكُتب ومن أقوال المشاهير، وأستغرب الآن من شدة ما كنتُ أعشق جمع الإقتباسات وحفظها في الأغلب دون جهد أو إرادة مُسبقة، وأستغرب من طريقة تعلّق الإقتباس بذهني قبل أن أغازله وأتصوّف في حُسنه، فمثلاً أذكر في مراهقتي الحماس الذي كنت أعتنق به مقولات تشي جيفارا بخواء فكري إلى حد ما، وبحثاً عن النموذج والمثال، وبمحاولة تحمّل أو حمل شيء من هموم الآخرين، وبشيء من ردة الفعل الفنتازية الداخلية على ما سبق كنت أود لو أكتب على كُل جدران العالم جملة مثل: "أينما وُجد الظلم فذاك هو وطني" وأكتبها فعلاً ما استطعت إلى كتابتها سبيلا، إلى أن بدأت فكرة الوطن نفسها بالتآكل والتراجع، والآن لا أذكر تحديداً متى تحولت الجملة الأسطورة إلى فلكلور ثقافي، ولا أعرف كيف يحدث هذا بالتحديد لكن بلا شك لا يعدو الأمر بعيداً عن تحوّل فيزيائي في خلايا الدماغ يحيل التفكير إلى طور آخر أكثر إبتعاداً عن الآخرين وأقرب لذواتنا، كلما كبرنا قليلاً، وأستمتع الآن حينما أنغمس في تحليل الفارق بين طريقة إستقبال دماغي لإقتباس معيّن في الماضي وإستقباله ذاته في هذه اللحظة، مثلاً أذكر مقولة كنت أتغنى بها دائماً في مدرسة الثانوية، يقول فيها المفكر التونسي محمود المسعدي: "مقدار من الجنون لا بد منه من أجل مقدار من الحرية" وأتذكر تماماً كيف كانت تمارس هذه الجملة إقتحامي وكيف كُنت أحس بمجرد لفظها أنّي صافحتُ حرية لم أحلم بها يوماً، والآن يأخذ هذا الجنون الصبياني بالتراخي والذوبان والبرود أمام الجُمل يكبر، أذكر أيضاً كيف كُنت أشتعل حين أتلو قول الله: "يَكادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ" وأين كنتُ أسافر حين يغنّي مارسيل خليفة: " فلتسقطوا عني جواز السفر" وأي فرسٍ كنتُ أترجّل حين يقول عنترة ابن شداد: "ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني" وفي أي الطٌرق أمشي عندما أتذكر محمود درويش وهو يقول: "ألطريق إلى البيت أجمل من البيت" نعم في هذه بالذات أتذكر كيف كانت تتشكل أبعاد الطور الرومانسي البنفسجي الفردي في ذاتي وكيف كنت أقلّب صورة البيوت والشوارع وكأن عينايّ لم تكن ترى إلا نوتة موسيقية وأدوّن عليها الألحان بإختلاس النظر للشبابيك والبرندات والإرتدادات والإطلالات، أمسك منها ما شئت وأجمّعها، نعم، عندما كُنت أتذكر جملة درويش تلك كنت ألحّن وأوزّع وأعزف وأغنّي وأرقص، إلى أن أصل البيت، وإن تذكرتُ جملة غوتة التي يقول فيها: "إننا نتشكل تبعاً لما نُحب" كُنتُ فعلاً أنطوي وأتكوّر في سريري وأشدّ رٌكبتايَ إلى صدري. انتبهت اليوم لما يقوله رائد الفكر الوظيفي في العمارة وأحد أشهر معماريي القرن العشرين لوكوربوزيه: "The house is a machine for living in" وفي قوله هذا يُذكرني بقول الروائية مارغريت دوراس: "البيت هو مكان الوحدة" وبين هذا وذاك لُب المفارقة التي أتحدث عنها، فكيف كُنت من أشد مؤيدي الروائية، والآن من أشد مؤيدي المعماري. على الرغم من التباين الصارخ بين الإقتباسين، كيف كان الفراغ البعيد عن البيت في نظري هو ذاك الأفق والإمتداد الحيوي النهضوي المليء بالمغامرات والثورات وأماكن الفُرص، والأن أعتنق بوعي غير منقوص أن البيت هو آلة للحياة، هو إكتمال الوظيفة وسكون الروح، ومَخرج الفكر والحكمة والأدب؟

أين يرقد الكلام؟

18/11/2010

سأحكي لرائحة الليل عن الكلام الذي أرادت أن تكتبه لي، كلّه الذي تعترف أنها لا تعرف ممسكاً لقلم أو للوحة مفاتيح في سبيل ولادته، إذ تخاف أن يضيع الكلام في زحمة ما يضيع عندما نكبر ساعةً، فتأتي متهلهلة وتجر في ثناياها اللهفة كي تقول وتحدّث وتحكي، فتتعرقل في أول حرفين يافعين لم يزلا في مطالعهما، وتخجل ولا تنبت ببنت شفة. تسكت، وأكتئب، وأقول في سري أو في علنٍ ليس لها: "كان لا يتعبني في الليل إلا صمتها"، وتفهم، وهي دائماً تفهم، وتحاول ثانية أن تكتب، وتحاول بإستجداء حالات وإحتمالات، وتشتري دفتراً من أقرب بائع قرطاسية، وتقرر أن تكتب ما ستقوله لي كي لا تقع في داء نوم المرادفات على شفتيها كسلاً أو نعاساً، وتفشل، ومن فرط ما هي أنثى، تعيد كرتها، وتأتي مخارج حروفها أسرع منها، وتقع في أول مفترق للحديث، تسكت ثانية، وأكتئب. تداويني بقولِ يشبه: أنتَ تعرف كل ما سأقوله، وأقول: أحفظك عن ظهر حُب، ويسكتُ كلانا، وتغار من كلام الغجريات في البراري حين ينضج، وأحزن لفرط غيرتها، وأسكت، وتغار، وأكتئب، يا الله! أين الكلام؟ والآن، هل صدقتِ حقاً أن هذا هو ما يصير بعدما ينام الكلام في لسانك ويحمله المجاز إلى سترتي صوفاً لا يئن ولا يطن؟ ما أطفلك! من قال لكِ أن حلول الصوت لا بد أن يلازمه كلاماً لا يجتهد إلا في إنعاش شحمات الأذنين، والآن، كيف سأقنعك أن الصوت الذي لا يخرج من فمك، أشمّه في صدرك وردات فصل ربيع، وأراه في أربع رموشِ مطرّزات كالسنابل، وأسمعه في ترتيب تصاعد وتنازل انفاسك كصوت الهواء إذ تفيض به القصبات والنباتات البرية في الاحراش، وألمسه بيدين عاريتين إلا من دفء حريرهما، وأقرأه على جبين يتسع المدى، وأشربه تبراً مصفى حين تتثائبين. اهِ حين تنام وتحشو الهواء أنفاسها، وما أرقّ ما تنام! كل شيء فيها ينام كطفل، يداها تنتفخان دفئاً، ووجهها يحمرّ فوق الوسائد، وشفتاها تتفتح مثل بابِ موارب، وينام فيه الكلام، ينام الكلام. أما أنا فلن أستتر، ولن أتدرب في سري على بعض الكلام الجميل والجُمل قبل موعدنا، سأراكِ وأعرف قُبلاً أني سأتوه وأنشغل بمكامنك وحوافك ومتاعك، وبكل الأشياء من حولك، وسأنشغل حتى بهواء الطريق الذي سرتِ فيه إليّ، فثمة أماكن تسرق منّا ومن روائحنا وجباتها، ومثلما أعرف أني أحبك، وأريد أن أهدهد كلام الهوى على أذنيكِ، أعرف أني سأغرق تارة بعينيك البحر، وتارة ببشرتك السماء، وتارة أخرى بترتيب أسنانك الكواكب، سأراكِ، فقط سأراكِ وأكتمل بقراءة ملامحك بعدها: قُبلة، قُبلة.. 

إدلاء

14/10/2010

نعم هذه دُموع، حتى وإن كانت تنزّ حمراء حمراء من أطراف يدي، حتى لو إننا لم نعتد أن نسمع صوت حشرجة يخرج من جرح مفتوح، حتى وإن كانت الجروح في خواصها وفي طبيعتها البديهية تحتاج لمصدر ولمُسبب طاريء يقضّ إلتحام الجلد ويفك أربطة الدم المتينة، نعم هذا الأحمر المستور بقطعة قماش بيضاء على سبابتي ليس جرحاً عادياً فاض منه الدم بعد أن وقع حجراً من جدار البيت عليه، ولا أعرف لماذا أحسّ أن ليس عادياً ما حصل في تلك الواقعة الطفيفة التي قد تتكرر في اللحظة ملايين المرات في هذا العالم، حقاً لا أعرف لماذا لم يثيرني كالعادة شكل الدم الطافح فوق اظفري، ولماذا إختلط عليّ اللون الأحمر على وضوحه، ولا أعرف أيضاً أي شيء عن السبب الذي جعلني أشعر أن دموعاً حقيقة كانت تنز من تحت الجلد، ربما لكثر ما حقنتها خلف الرموش وكنت ماهراً في مُدارتها ومداواتها ببضع إبتسامات في وجه هذا وذاك، ولكن، “هل حدثتُ أحداً من قبل عن جُروحي؟” هذا هو السؤال البسيط الذي يحوم في ذهني الآن، هذا السؤال المفتاح هو الذي يوقفني عن الكتابة، أو يكتبني، هذا السؤال الوحيد الذي لا أجرؤ على طرحه، ولا على الإجابة عليه، على الأقل الآن، تحت وطأة الحزن عديم السبب الواضح، لكني وبكل صراحة أبحث عن مصدر تنفس مُنتظم وراء هذا الكلام وهذه الحروف الجروح، ولهذا أنا الآن في أشد وأصدق لحظة إعتراف قد تمر بي، وسأعترف بكل ما يمكن أن تكتبه اللغة، وبكل ما تختزنه الآن ذاكرتي المثقوبة، سأعترف أني أكون طفلا أكثر مما يلزم عندما أحزن وأنني مُستعد أن أستدعي وأتبنى أتفه مسببات الحزن فقط كي أحظى بلحظة بُكاء، سأعترف أني بصوت أنثى شرقية أبكي وراء السرير بدون أي سبب واضح، وأن الماضي بحوادثه وذكرياته وبالمفقود منه يتداخل في صدري بدون أي روابط منطقية ليتشكل مثلما تصطف الدموع في قلب المكلومة، أعترف أني أخاف كثيراً من أشياء لا أعرفها، وأعترف أني أتأكد مرتين ـ خوفاً وإرتباك ـ من إحكام إغلاق باب البيت قبل أن أنام، وسأعترف أني آتظاهر بأن أي فشل بسيط في حياتي هو شيء طبيعي قد يحدث حسب سنة الكون الكبير، لكن الواقع أنّ أي تقصير صغير بحق العائلة أو الأصدقاء أو نفسي قبل كل شيء هو أكبر سبب قد يُجمّع فيّ التعاسة والحزن، سأعترف أني أختبيء في غرفتي الملوّنه بحكايات الأصدقاء كي لا يراني أحد بتكويني هذا، بدموعي هذه، ببؤس العالم كله هذا الذي يربض فوق صدري، نعم أنا أحزن يا أصدقائي يا كُل رفاقي الذي اعتادوا أن يلازموني ويقصّوا عليّ حكاياهم كي أضحك لهم، وكي يمتليء هذا البئر بالقصص من شرقها وغربها، سأعترف أني أهرب من قاعات الدراسة، وأهرب من إلتزاماتي في العمل، وأهرب من كل ذا صلة بي، حتى من وجوه المارة، ومن الآغاني القديمة، ولا أسمع إلا سميح شقير، وأدخن كثيراً كما لو لم يكن لي صدر، وأتذكر وجه أبي ولا أزور قبره، وأفتقد صوت أمي ولا أهاتفها وما كانت لتعود من هجرتها، وأعترف أني أهوى وردة تكبرني كثيراً بمنطق الأشياء، وتصغرني ببضع شهور، وأعترف أنني أتربص بطفولتها وأصطاد في ماء بساطتها دواعي الحزن، أعترف أنني أبكي إن لم تهاتفني، وأكره الصباح إن لم تُكرر: “صباح الحُب”، وأعترف أني أعادي الليل ويتقمص وجهي سواده إن نامت دون: “تصبح على عشقي” ، وأعترف أني أضجر من نفسي إلى حد بعيد حين لا أجيد الهرب من أصغر الأشياء، وأكره أن أمارس عاداتي القديمة على حمد معظمها، وأكره أنني لازلت حين أركب سيارة أضع سماعات هاتفي في أذنيّ وأشكّل التصوير الخاص بالمقطع الموسيقي الذي أسمعه من البيوت بشبابيكها وأبوابها وشُرفاتها، ومن الشوارع، ومن إصطفاف الناس وسيرهم، ومن العربات المركونة، ومن أعمدة الإنارة، أكره تحديداً أنني لا أستطيع أن أتخلص من هذه العادة، يا الله! كيف لي أن أهرب من الشارع! وكيف لي أن أحزن حُزناً عادياً غير مغموس بإستحضار أسباب الحزن العظيمة، القديمة، التي تتورط بها الذاكرة، وأعترف الآن أني لا أعرف أي شيء عن أسباب هذا السأم، ولا أعرف أي سبب يجعلني أقول ما قُلت، لكن قد يكون هذا حقاً هي تلك الدموع التي ملّت حقنها خلف الرموش وانتظرت حَجراً يقع على يدي وكأن مُنجداً من السماء قد أتاها وأخرجها من تحت الجلد حمراء حمراء.

مُحادثة

01/09/2010

 

قال لي من شرّدته الريح تعال، قلت له والأرض أعشاب وسنابل.

- مثلاً، أنا لم أحظ بحلم أن أكون منعزلاً بعد، قضيت الأيام السابقة، والأيام الأخيرة لي هناك، وأنا أقرب ما أكون إلى ذلك، لكن لا، لم أعش في كوخ صغير يتيماً لشهور طويلة، دون أصوات إلا التي تأتي من باطن الأرض وصدر السماء، ليس بعد. لم أقم برحلة سفاري في أدغال أفريقيا، زرت مصر – الإبنة المدللة للقارة السمراء – مراتٍ عديدة، لكن لا، لم أمش في غابات جنوبها وعلى ظهري حقيبة فيها من ضمن ما فيها دفتر وقلمين، ليس بعد. لم أتناول العشاء بعد، لا مع أمين معلوف، ولا مع أصدقاء يجرحهم المنفى ويقتاتون في حياتهم مع الأكسجين أملَ العودة لديارهم، حلمنا بكل ما سنفعله حينها، خططنا على ماذا سنضحك وكيف سنرقص ومتى سنبكي، لكننا لم نلتقِ، ليس بعد. لم أدرس الشيء الوحيد الذي أريده، بحثتُ عنه في قائمة التخصصات بجامعات بلادي كلّها، لم يكن ثمة "علم فضاء" ولا حتى ذكر للكواكب وعلمها، ليس بعد . لم أبدأ فعلياً بالحلم الذي أعيش لأجله، كنت أفكّر في أدق تفاصيله وأنسى دوماً كيف أقفز وأتسامى لمراحلٍ متقدمة دون أن أثبت عماد الأساس الأول: أنا. ليس بعد. لم أنظم قصيدة شعريّة موزونة بعد، تعلّمت بحور الشعر كلّها لأكتبها، لكني أعرف الآن عن ماذا ستكون. لم أفعلها أيضاً بعد.

- وفي نفس الحقبة التي مارست فيها غلوّك في الحلم، كنت أعرق وتنزّ من جسدي سوائل تكفي لإغراق العالم على غرقه، كانت غزة أكثر حرارة من جسدين يلتصقان لأول مرة في عُرس تموزي، كانت غزة ـ ولم تزل ـ جثة تتلوى من فرط ما احترقت بنار تموز، ومخلفات النفط العربي، كانت تسير إلى جهنم حافية، تمشى على الجمر بسهولة جداول الماء وهي تركض فوق صخر الينبوع. وكنا نسير إلى الجامعة، نأخذ قسطاً من هندسة الفراعنة، ونهرب من باقي المحاضرات حراً، ونرجع إلى غُرفة الإسبست. لا نتذكر أي شيء، فليست لغزة ذاكرة، كعادتها، دائماً مشغولة بتدبر أمورها، كأم العروس، غزة تماماً أم عروس، ولم تكن يوماً عروس لأي أمير أو غجري. مشغولة لا بحسنها، ولا بفتنتها، ولكن بتدبر أمورها وأمور أخواتها وشؤون المتزوجات الأخريات، مشغولة بتفقد النيام، ولا تنام، مشغولة بالبرد، وهي تعرق، مشغول بمشي على أطراف الأصابع، وهي تضج بالمحركات.

- بثّت العتمة سمومها في صدري. تسرّبت إليه، "تشعبطت" على ضلوعه، وبسرعة الضوء تسرطن صدري بها. ضعيفٌ صدري، لا المناعه تغنيه، ولا ابتسامة – كهذه – تحميه، وما غيّرت كتب الأحياء كلّها في ذلك شيئاً. العتمة باردة، مقرفة، والأكثر قرفاً شعورك بالبرد في ألعن ليالي تموز وآب حراً،. قلبي الذي تعوّد أن يكون عود كبريت، يُشعل شموع الكلّ، كأمُّ العروس تماماً، انطفأ كشيء انتهى دوره في العالم. مثل عود الكبريت أشعر أني متروك في تخبطي، وحيد .. وخائف أنا، هذا شيء لا أحسُّه فحسب، هذا شيء يدفشني بكل غلاظته لهاويةٍ لم يسبق لي أن وقفت على حافتها.

- هل تفكّر ـ ولو ببراءة طفل ـ أن صدرونا عادت تولعها حرارة الصيف وتشدها سهرات الغُرف ! ، باتت صدورنا في زوبعة الحر والقيظ أبرد من قطعة جليد، ولم يعد يحركنا لحن أو قصيدة، صرنا أكثر بلادة من جدار الفصل العنصري، وقلوبنا ما عادت تهزّها أغاني الغزل ولا ضحكات الأطفال، لم نعد نكترث إن رأينا صورة الجندي والطفل، ولم تعد تشدنا صورة الرئيس والشيخ، ولا توقفنا للتأمل صورة الفارس والدبابة، ولا حتى حبيباتنا صرن يشدنا إلى أواخر الأشياء. وسط سطوة الحر، وسط فكرة تحويل الضوضاء في المولدات إلى طاقة ضوئية، لم نعد نهتم ولا نكترث لأي شيء، وصار لنا تماماً ما كان يتمناه العجوز إذ قال: "ليت الفتى حجر"، صرنا حجارة أو أشد قسوة.

- يا الله .. ما الذي يحدث في عيني؟ كيف أرى السماء التي حضنتني طويلاً منكسرةً الآن؟ ما الذي يحدث لكلّ ما في هذا الكوكب المذبوح من الوريد إلى الوريد؟ ما الذي يحدث للنوارس في خلجان النفط، ولغزّة، ماذا يحدث لغزّة؟ وفينا، ما الذي يحدث فينا؟ ، للعشّاق.. آه يا رب، ما الذي يحدث للعشّاق؟ هذه الليلة طويلة. أطول من ثمانية أشهر من الحلم، أطول من ثمانية أشهر من العيش فيه، ليلة ملطخة بالآهات التي لا يسمع حشجرتها سواك وقلبي، آهات من الداخل للداخل يا صديقي، وشرايين تضجُّ بالقلق، وقلب لم يعد لك، صار مزرعة أرق تتكاثر. لا شيء طبيعي هذه الليلة، لا شيء عادي، هكذا هي غزّة، لا شيء تماماً فيها، لا شيء بتاتاً أحياناً.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.