إدلاء

نعم هذه دُموع، حتى وإن كانت تنزّ حمراء حمراء من أطراف يدي، حتى لو إننا لم نعتد أن نسمع صوت حشرجة يخرج من جرح مفتوح، حتى وإن كانت الجروح في خواصها وفي طبيعتها البديهية تحتاج لمصدر ولمُسبب طاريء يقضّ إلتحام الجلد ويفك أربطة الدم المتينة، نعم هذا الأحمر المستور بقطعة قماش بيضاء على سبابتي ليس جرحاً عادياً فاض منه الدم بعد أن وقع حجراً من جدار البيت عليه، ولا أعرف لماذا أحسّ أن ليس عادياً ما حصل في تلك الواقعة الطفيفة التي قد تتكرر في اللحظة ملايين المرات في هذا العالم، حقاً لا أعرف لماذا لم يثيرني كالعادة شكل الدم الطافح فوق اظفري، ولماذا إختلط عليّ اللون الأحمر على وضوحه، ولا أعرف أيضاً أي شيء عن السبب الذي جعلني أشعر أن دموعاً حقيقة كانت تنز من تحت الجلد، ربما لكثر ما حقنتها خلف الرموش وكنت ماهراً في مُدارتها ومداواتها ببضع إبتسامات في وجه هذا وذاك، ولكن، “هل حدثتُ أحداً من قبل عن جُروحي؟” هذا هو السؤال البسيط الذي يحوم في ذهني الآن، هذا السؤال المفتاح هو الذي يوقفني عن الكتابة، أو يكتبني، هذا السؤال الوحيد الذي لا أجرؤ على طرحه، ولا على الإجابة عليه، على الأقل الآن، تحت وطأة الحزن عديم السبب الواضح، لكني وبكل صراحة أبحث عن مصدر تنفس مُنتظم وراء هذا الكلام وهذه الحروف الجروح، ولهذا أنا الآن في أشد وأصدق لحظة إعتراف قد تمر بي، وسأعترف بكل ما يمكن أن تكتبه اللغة، وبكل ما تختزنه الآن ذاكرتي المثقوبة، سأعترف أني أكون طفلا أكثر مما يلزم عندما أحزن وأنني مُستعد أن أستدعي وأتبنى أتفه مسببات الحزن فقط كي أحظى بلحظة بُكاء، سأعترف أني بصوت أنثى شرقية أبكي وراء السرير بدون أي سبب واضح، وأن الماضي بحوادثه وذكرياته وبالمفقود منه يتداخل في صدري بدون أي روابط منطقية ليتشكل مثلما تصطف الدموع في قلب المكلومة، أعترف أني أخاف كثيراً من أشياء لا أعرفها، وأعترف أني أتأكد مرتين ـ خوفاً وإرتباك ـ من إحكام إغلاق باب البيت قبل أن أنام، وسأعترف أني آتظاهر بأن أي فشل بسيط في حياتي هو شيء طبيعي قد يحدث حسب سنة الكون الكبير، لكن الواقع أنّ أي تقصير صغير بحق العائلة أو الأصدقاء أو نفسي قبل كل شيء هو أكبر سبب قد يُجمّع فيّ التعاسة والحزن، سأعترف أني أختبيء في غرفتي الملوّنه بحكايات الأصدقاء كي لا يراني أحد بتكويني هذا، بدموعي هذه، ببؤس العالم كله هذا الذي يربض فوق صدري، نعم أنا أحزن يا أصدقائي يا كُل رفاقي الذي اعتادوا أن يلازموني ويقصّوا عليّ حكاياهم كي أضحك لهم، وكي يمتليء هذا البئر بالقصص من شرقها وغربها، سأعترف أني أهرب من قاعات الدراسة، وأهرب من إلتزاماتي في العمل، وأهرب من كل ذا صلة بي، حتى من وجوه المارة، ومن الآغاني القديمة، ولا أسمع إلا سميح شقير، وأدخن كثيراً كما لو لم يكن لي صدر، وأتذكر وجه أبي ولا أزور قبره، وأفتقد صوت أمي ولا أهاتفها وما كانت لتعود من هجرتها، وأعترف أني أهوى وردة تكبرني كثيراً بمنطق الأشياء، وتصغرني ببضع شهور، وأعترف أنني أتربص بطفولتها وأصطاد في ماء بساطتها دواعي الحزن، أعترف أنني أبكي إن لم تهاتفني، وأكره الصباح إن لم تُكرر: “صباح الحُب”، وأعترف أني أعادي الليل ويتقمص وجهي سواده إن نامت دون: “تصبح على عشقي” ، وأعترف أني أضجر من نفسي إلى حد بعيد حين لا أجيد الهرب من أصغر الأشياء، وأكره أن أمارس عاداتي القديمة على حمد معظمها، وأكره أنني لازلت حين أركب سيارة أضع سماعات هاتفي في أذنيّ وأشكّل التصوير الخاص بالمقطع الموسيقي الذي أسمعه من البيوت بشبابيكها وأبوابها وشُرفاتها، ومن الشوارع، ومن إصطفاف الناس وسيرهم، ومن العربات المركونة، ومن أعمدة الإنارة، أكره تحديداً أنني لا أستطيع أن أتخلص من هذه العادة، يا الله! كيف لي أن أهرب من الشارع! وكيف لي أن أحزن حُزناً عادياً غير مغموس بإستحضار أسباب الحزن العظيمة، القديمة، التي تتورط بها الذاكرة، وأعترف الآن أني لا أعرف أي شيء عن أسباب هذا السأم، ولا أعرف أي سبب يجعلني أقول ما قُلت، لكن قد يكون هذا حقاً هي تلك الدموع التي ملّت حقنها خلف الرموش وانتظرت حَجراً يقع على يدي وكأن مُنجداً من السماء قد أتاها وأخرجها من تحت الجلد حمراء حمراء.

5 تعليقات إلى “إدلاء”

  1. skoot يقول:

    مزيدا من الاعتراف علك تسأم من حبك لي

    لكني ما زلت اعترف لك بكل شغف احبك
    حتى الآن …

  2. فادي يقول:

    حكيم كنت هنا
    مُخرج ، طفل ، شاعر جداً
    جداً انغمستُ بصكَ حد الغرق
    كن بخير يا صديقي

  3. كرمل يقول:

    فنان ومملتئ بالابداع
    ولكني اكرهك
    لأنك تجعلني أمام هذه اللغة حزين مثلك

    (f)

  4. متشرّد يقول:

    حكيم ..

  5. تجمع المدونين الفلسطينيين يقول:

    إدلاء…

    نعم هذه دُموع، حتى وإن كانت تنزّ حمراء حمراء من أطراف يدي، حتى لو إننا لم نعتد أن نسمع صوت حشرجة يخرج من جرح مفتوح، حتى وإن كانت الجروح في خواصها وفي طبيعتها البديهية تحتاج لمصدر ولمُسبب طاريء يقضّ إلتحام الجلد ويفك أربطة الدم المتينة، نعم هذا الأحمر ا…

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.