أين يرقد الكلام؟

سأحكي لرائحة الليل عن الكلام الذي أرادت أن تكتبه لي، كلّه الذي تعترف أنها لا تعرف ممسكاً لقلم أو للوحة مفاتيح في سبيل ولادته، إذ تخاف أن يضيع الكلام في زحمة ما يضيع عندما نكبر ساعةً، فتأتي متهلهلة وتجر في ثناياها اللهفة كي تقول وتحدّث وتحكي، فتتعرقل في أول حرفين يافعين لم يزلا في مطالعهما، وتخجل ولا تنبت ببنت شفة. تسكت، وأكتئب، وأقول في سري أو في علنٍ ليس لها: "كان لا يتعبني في الليل إلا صمتها"، وتفهم، وهي دائماً تفهم، وتحاول ثانية أن تكتب، وتحاول بإستجداء حالات وإحتمالات، وتشتري دفتراً من أقرب بائع قرطاسية، وتقرر أن تكتب ما ستقوله لي كي لا تقع في داء نوم المرادفات على شفتيها كسلاً أو نعاساً، وتفشل، ومن فرط ما هي أنثى، تعيد كرتها، وتأتي مخارج حروفها أسرع منها، وتقع في أول مفترق للحديث، تسكت ثانية، وأكتئب. تداويني بقولِ يشبه: أنتَ تعرف كل ما سأقوله، وأقول: أحفظك عن ظهر حُب، ويسكتُ كلانا، وتغار من كلام الغجريات في البراري حين ينضج، وأحزن لفرط غيرتها، وأسكت، وتغار، وأكتئب، يا الله! أين الكلام؟ والآن، هل صدقتِ حقاً أن هذا هو ما يصير بعدما ينام الكلام في لسانك ويحمله المجاز إلى سترتي صوفاً لا يئن ولا يطن؟ ما أطفلك! من قال لكِ أن حلول الصوت لا بد أن يلازمه كلاماً لا يجتهد إلا في إنعاش شحمات الأذنين، والآن، كيف سأقنعك أن الصوت الذي لا يخرج من فمك، أشمّه في صدرك وردات فصل ربيع، وأراه في أربع رموشِ مطرّزات كالسنابل، وأسمعه في ترتيب تصاعد وتنازل انفاسك كصوت الهواء إذ تفيض به القصبات والنباتات البرية في الاحراش، وألمسه بيدين عاريتين إلا من دفء حريرهما، وأقرأه على جبين يتسع المدى، وأشربه تبراً مصفى حين تتثائبين. اهِ حين تنام وتحشو الهواء أنفاسها، وما أرقّ ما تنام! كل شيء فيها ينام كطفل، يداها تنتفخان دفئاً، ووجهها يحمرّ فوق الوسائد، وشفتاها تتفتح مثل بابِ موارب، وينام فيه الكلام، ينام الكلام. أما أنا فلن أستتر، ولن أتدرب في سري على بعض الكلام الجميل والجُمل قبل موعدنا، سأراكِ وأعرف قُبلاً أني سأتوه وأنشغل بمكامنك وحوافك ومتاعك، وبكل الأشياء من حولك، وسأنشغل حتى بهواء الطريق الذي سرتِ فيه إليّ، فثمة أماكن تسرق منّا ومن روائحنا وجباتها، ومثلما أعرف أني أحبك، وأريد أن أهدهد كلام الهوى على أذنيكِ، أعرف أني سأغرق تارة بعينيك البحر، وتارة ببشرتك السماء، وتارة أخرى بترتيب أسنانك الكواكب، سأراكِ، فقط سأراكِ وأكتمل بقراءة ملامحك بعدها: قُبلة، قُبلة.. 

2 تعليقات إلى “أين يرقد الكلام؟”

  1. تجمع المدونين الفلسطينيين يقول:

    أين يرقد الكلام؟…

    سأحكي لرائحة الليل عن الكلام الذي أرادت أن تكتبه لي، كلّه الذي تعترف أنها لا تعرف ممسكاً لقلم أو للوحة مفاتيح في سبيل ولادته، إذ تخاف أن يضيع الكلام في زحمة ما يضيع عندما نكبر ساعةً، فتأتي متهلهلة وتجر في ثناياها اللهفة كي تقول وتحدّث وتحكي، فتتعرقل في…

  2. Piece of Hope (@t0teh) يقول:

    رآئع و أكثر بكثير .!

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.