لم تعد تلفت إنتباهي الإقتباسات والجمل المُدهشة في وقعها الأول، المأخوذة من الكُتب ومن أقوال المشاهير، وأستغرب الآن من شدة ما كنتُ أعشق جمع الإقتباسات وحفظها في الأغلب دون جهد أو إرادة مُسبقة، وأستغرب من طريقة تعلّق الإقتباس بذهني قبل أن أغازله وأتصوّف في حُسنه، فمثلاً أذكر في مراهقتي الحماس الذي كنت أعتنق به مقولات تشي جيفارا بخواء فكري إلى حد ما، وبحثاً عن النموذج والمثال، وبمحاولة تحمّل أو حمل شيء من هموم الآخرين، وبشيء من ردة الفعل الفنتازية الداخلية على ما سبق كنت أود لو أكتب على كُل جدران العالم جملة مثل: "أينما وُجد الظلم فذاك هو وطني" وأكتبها فعلاً ما استطعت إلى كتابتها سبيلا، إلى أن بدأت فكرة الوطن نفسها بالتآكل والتراجع، والآن لا أذكر تحديداً متى تحولت الجملة الأسطورة إلى فلكلور ثقافي، ولا أعرف كيف يحدث هذا بالتحديد لكن بلا شك لا يعدو الأمر بعيداً عن تحوّل فيزيائي في خلايا الدماغ يحيل التفكير إلى طور آخر أكثر إبتعاداً عن الآخرين وأقرب لذواتنا، كلما كبرنا قليلاً، وأستمتع الآن حينما أنغمس في تحليل الفارق بين طريقة إستقبال دماغي لإقتباس معيّن في الماضي وإستقباله ذاته في هذه اللحظة، مثلاً أذكر مقولة كنت أتغنى بها دائماً في مدرسة الثانوية، يقول فيها المفكر التونسي محمود المسعدي: "مقدار من الجنون لا بد منه من أجل مقدار من الحرية" وأتذكر تماماً كيف كانت تمارس هذه الجملة إقتحامي وكيف كُنت أحس بمجرد لفظها أنّي صافحتُ حرية لم أحلم بها يوماً، والآن يأخذ هذا الجنون الصبياني بالتراخي والذوبان والبرود أمام الجُمل يكبر، أذكر أيضاً كيف كُنت أشتعل حين أتلو قول الله: "يَكادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ" وأين كنتُ أسافر حين يغنّي مارسيل خليفة: " فلتسقطوا عني جواز السفر" وأي فرسٍ كنتُ أترجّل حين يقول عنترة ابن شداد: "ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني" وفي أي الطٌرق أمشي عندما أتذكر محمود درويش وهو يقول: "ألطريق إلى البيت أجمل من البيت" نعم في هذه بالذات أتذكر كيف كانت تتشكل أبعاد الطور الرومانسي البنفسجي الفردي في ذاتي وكيف كنت أقلّب صورة البيوت والشوارع وكأن عينايّ لم تكن ترى إلا نوتة موسيقية وأدوّن عليها الألحان بإختلاس النظر للشبابيك والبرندات والإرتدادات والإطلالات، أمسك منها ما شئت وأجمّعها، نعم، عندما كُنت أتذكر جملة درويش تلك كنت ألحّن وأوزّع وأعزف وأغنّي وأرقص، إلى أن أصل البيت، وإن تذكرتُ جملة غوتة التي يقول فيها: "إننا نتشكل تبعاً لما نُحب" كُنتُ فعلاً أنطوي وأتكوّر في سريري وأشدّ رٌكبتايَ إلى صدري. انتبهت اليوم لما يقوله رائد الفكر الوظيفي في العمارة وأحد أشهر معماريي القرن العشرين لوكوربوزيه: "The house is a machine for living in" وفي قوله هذا يُذكرني بقول الروائية مارغريت دوراس: "البيت هو مكان الوحدة" وبين هذا وذاك لُب المفارقة التي أتحدث عنها، فكيف كُنت من أشد مؤيدي الروائية، والآن من أشد مؤيدي المعماري. على الرغم من التباين الصارخ بين الإقتباسين، كيف كان الفراغ البعيد عن البيت في نظري هو ذاك الأفق والإمتداد الحيوي النهضوي المليء بالمغامرات والثورات وأماكن الفُرص، والأن أعتنق بوعي غير منقوص أن البيت هو آلة للحياة، هو إكتمال الوظيفة وسكون الروح، ومَخرج الفكر والحكمة والأدب؟
Like this:
One blogger likes this post.
This entry was posted on 12/12/2010 at 2:02 ص and is filed under Uncategorized. يمكنك متابعة الردود على هذه التدوينة من خلال الخلاصات 2.0
You can leave a response, or trackback from your own site.
12/12/2010 عند 12:52 م |
..
لا أظن أن بامكان ذلك الجنون أن يتراجع امام وطأة المعماريَة التي تندّد بها الكُتب
لا تنسى أيضاً أن في البيت لوحة بمسمار صغير تحتاج لمداعبة وكثير من الحُلم ،كل اليقين في نهاية الكلام أعلاه وهمٌ
12/12/2010 عند 8:33 م |
ألف مبروك أبو شريك. أهنئك من كل قلبي. كنت أود في الواقع كتابة تدوينة خاصة بالاقتباسات والمقتبسين والنظام الفكري المتكامل القائم عليها لدى البعض. عرفت وما زلت لزمن طويل فتى لا يهمه في الموضوعات التي يقرأها سوى حجم الجمل التي يمكن أن يحفظها ويكررها ككليشيه تاريخي متقدم وغير قابل للنقاش والنقد. أفضل للمرء أن يصنع اقتباساته الخاصة على أن يغرق في وهم أنه يفهم العالم من مقولات يدرك أن الواقع يتجاوزها، أو لا يقبل بها.
11/01/2011 عند 4:47 م |
اقتبست الآن بعضا من الجمل التي دونتها هنــا ،
أحيانا مجرد كلمة .. عابرة ..قرأتها في رواية – مجلة – أو حتى ورقة ملقاة على رصيف شارعكم ،
ترمي بك في عالم آخر ، وحياة أخرى تبدؤهــا من جديد ..
لكن .. يتوجّب علينا .. أن ندرك جيدا .. لماذا نقتبس الجمل ؟؟
تدوينة موفقة
تحياتي ،
13/01/2011 عند 1:56 ص |
إقتباس…
لم تعد تلفت إنتباهي الإقتباسات والجمل المُدهشة في وقعها الأول، المأخوذة من الكُتب ومن أقوال المشاهير، وأستغرب الآن من شدة ما كنتُ أعشق جمع الإقتباسات وحفظها في الأغلب دون جهد أو إرادة مُسبقة، وأستغرب من طريقة تعلّق الإقتباس بذهني قبل أن أغازله وأتصوّف …