كلام في الهوى

نختلف أنا وهي، إذ ننفصل متفقين أن نلتقي هنا على بعد حزمة من الأغنيات والصفحات البيضاء والكلمات والحبر الجاف، تجلس إلى جواري تكتب عن الإنسان الضحية، تحدثني عن دموع الضحايا وحزن الضحايا، وتسرق من تفاصيلهم حتى تصل لمسامات جلد الضحايا، تحدثني عن كل ما يمكن أن يُحدّث به الحُر عن سجنه القديم، ولا تلتفت إلى شيء حين تكتب إلا إلى انثناءات الحروف، فأراها مستلقية في صحن حرف النون، أو تمتطي لاماً، أو تحضن ألفاً، أو أراها في أفق الغروب تشق إبطيها كي تستند إلى حرفي الحاء والباء، وإن حاولت أن تصنع من أمنياتها كلاماً فلا تلبث إلا أن تحرّك أصابعها مثلما تدير الراقصة خصرها، وإن هزّت خصرها تساقطت عليّ الشهوات من حيث لا أدري، وأرى قامتها تتمايل بين الغيوم، وتتمدد أذرعها شارعان طويلان، وتخضّر أقدامها، وتنثني رقبتها كي لا تصدم القمر، هي كذلك إن أرادت أن تكتب، تحشرني في خيالي الجامح حول: ماذا تفعل الآن؟ وتتركني أتراشق أنا والأسئلة الحدس الكسول، فمثلاً، كي تبدأ، لا علم لي ولا حدس إذا ما اختارت أصابعها: القاتل أم الضحية، ربما اختارتني الشاهد على ما حدث، وربما أجّلتني لحديث آخر. وأعرف أني مهما غلوت في التخمين فلا هداية إلى نصيب من الحق حتى. لهذا أحب رائحتها المفاجئة، وكلامها المفاجئ، وجمالها المفاجئ، وقبلاتها المفاجئة، ونومها المفاجئ، أحبّ كُل ما تُسر وما تُعلن، وكل ما تفكر به، وكل ما لم يطرأ على بالها يوماً. وأحاول ـ مرتدياً سترة من كلام ـ أن أقاسمها الهوى وألا أصرخ في وجهها بكل ثقة وبلا أي وهم: يا ابنة والديكِ، أحبك. لا، لا أقول لها ما أريد بحدة هذا الوضوح السافر، بل أجتاح الغزل من أوسع جنباته وألقيه على مدينتنا، وعلى حياتنا العائمة فوق محيط من أجزاء الأجزاء والأفكار، وأسألها: من هذا الأسطوري الذي يقدرُ على العيش داخل قاعة سينما منذ أن نام أبواه على السرير إلى أن ينام هو في التابوت، في القاعة المعتمة، التي لا تنتهي أفلامها التراجيدية والكوميدية والتاريخية والرومانسية والدرامية، مجبوراً إلى النهاية والعرض في غزة مُستمر؟ وأزيد إجابة أو اثنتين كي تتأكد أن جسدها هو مدينتي، وأنني لا سوايَ هذا المرابط البسيط. وفي استسلامٍ آخر لمنابع الشوق أقول لها مثلا: أنا في حالة اشتياق عارمة، لكثير من الأشخاص، والأفكار، والتواريخ، والأغاني، والقصائد. وأزيد بنبرة المنتصر بعد انتهاء المعركة، ولكي تهدأ: هذا بالمجمل ما يعنيه أنّي أشتاقك يا طعم السكّر ويا نشوة السكْر.

رد واحد إلى “كلام في الهوى”

  1. Nour En-Nabulsi (@Fattooosheh) يقول:

    كلامك ساحر :)

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.