خُذ نفسك واهرب

09/03/2014

لن تبقى المعاني كما كنا نحلم يا مُحمد، هذه المدينة تائهة منذ أن خلقها الله، مذ كانت تدور المعارك بين الديناصورات على رمل البلدة القديمة القديم، لن يتغير شيء وإن كبرنا، ما قيمة ذلك أمام تاريخ هذا الوطن المليء بالصراعات والمعارك؟. لك كل شيء، خذ كل شيء. هل أنت متأكد أنك بخير؟ أنت أنت في كل الأحوال، لكن أليس من حقك أن تتحرك كأي حيوان؟

حتى وإن نام المخيم بحجارته وصفيحه فوق صدرك، حتى وإن إبتلعتنا البيوت بحيطانها، وإن ضاقت الشوارع والأحوال، فإن فيكِ شامات لن يعرف طريقها أحد سواي، أفسدتك مثلما أفسدتني يا حوائي، ولم نعد صالحين إلا معاً، تعالي لنهرب من هذا النفق الذي لا يقود إلى أي نهاية، علّ بابه المغلق في الطريق إليه يتحرك. تعالي من كل السٌبٌل، كي نلهو ونلعب.

ما حدث كالتالي

13/12/2013

البرد نار يشتعل تحت الأغطية والصوف، وقتها رن جوالي وحكينا. مش قادر أحرك أي طرف من أطرافي عشان كل إشي حواليا بارد إلا المكان اللي تحت جسمي، بقدرة قادر صحيت بقفزة سريرية وفجأة لقيت حالي تحت الدوش البارد، اللي أول لسعه فيه بالضهر بتجيبك الأرض، كانت إمي عاملالي فنجان هالقهوة، يا عيني، اتصلوا العمال، وصلت الشخص اللي بينسخ المفاتيح عشان أنسخ مفتاح الموقع، لقيت الكهربا قاطعة وفش نسخ مفاتيح، كملت مشواري للشغل وصلت لقيت الكهربا قاطعة والمفروض إنه نبلش بلحام الحديد، قلنا معلش بندبر ماتور كهربا، ولما لقينا ماتور كهربا ملقيناش جرة غاز تشغله، الموقع ريحته نار ورمل ومطر وعفن وحديد، شردت ع القهوة اللي في المنطقة لقيت الشباب وشربت معاهم شاي ولعبنا كوتشينه ودخلنا في حوار عن عالم الفضاء والكواكب وعلاقته بالأديان وبإقتصاد الدول، بعدين تحركت تاني للشغل ومع العمال حملنا مقاطع الحديد على التكتك بعد تأخير لإنه كان عند السمكري، ونقلوه ع الورشة ع أساس في أي وقت بتيجي الكهربا يشتغلوا القص واللحام حتى لو في نص الليل، وبكرة الجمعة مش مشكلة بيركبوه في الموقع، وبنكون مضيعناش يوم بسبب أزمة الكهربا، عادي بننزل يوم الجمعة فش مشكلة، الحلول جاهزة، المهم والله ما أكون خياب في هذه اللحظة السانحة، طلعت على واحد من التجار واشتريت بطريقة معينة كمية اسمنت بسعر مضاعف خمس مرات عن سعره قبل شهر، السوق المر، نقلنا البضاعة ع الموقع وبعدين يا روح قلبي نزلت على ورشة الدهان في العمارة الكئيبة، وصلت ماخد دوش من الشارع وهناك لقيت شوية مشاكل في الشغل واتفقنا على حلولها ورح نبلشها يوم السبت، الحلول موجودة، اجتني فكرة انه أدبر نسخة للمفتاح، نزلت ع السوق القديم، لفيت ساعة ونص تحت المطر بين المحلات، حدا بينسخ ومعندوش كهربا، وحدا معندوش حديد مفاتيح، وحدا بينسخش أصلاً، وحيداً بين المقابر في هذه المدينة التي قلبها التجاري محاط بالمقابر من كل جانب، بعد عشر محلات تقريباً أصابني الإحباط العميق، ركبت السيارة وقلت أرجع وفي نص الطريق وإذ بي راجع إلا أنا لمحت يافطة مكتوب عليها أبصر مين لطباعة المفاتيح، رحت تأكدت من إنارة المحل انه عنده كهربا، نزلت فوراً من السيارة وطبعت المفتاح وانتهت الأزمة، الحلول موجودة، رجعت لشغل الشقة وفي الطريق كلمتك وشفت العمال واتفقت معاهم على التفاهمات الأخيرة في موضوع الورشة التي ستبدأ صباح السبت حتى لو مكانش في كهربا بندبرها بماتور وبنعمل حسابنا انه ننزل من بدري ندوّر ع جرة غاز لإنه الماتور اللي بده يشغل المنشار والمقدح والقرطاس والقلم لازم يكون خمسة او سبعة كيلو واط والماتور اللي لقيناه بهاي القدرة بيشتغل ع الغاز، الحلول موجودة وهالقصة مش مهمة كتير، وقتها كلمتك وحكيتلك رح أطلع مشوار صغير وبعدين في اجتماع صغير وبرجع، خلص الرصيد في جوالي وقفلنا وأنا بجري تحت عمارة عشان المطر كان مغسلني، روحت شفت الشباب، كانت سهرة لطيفة، وروحت البيت، الطريق كان مطر شديد ومعتم ومفش حدا فيه، نزلت من التاكسي على عتبة البيت ودخلت مفتاحي بين قدميّ الباب، دخلت لقيت الكهربا قاطعة لكن في لابتوبي شوية شحن والجوال مطفي، ومش رح ينفع نحكي قلت بكتبلك هيك كانوا يعملوا العشاق.

في عشق احتضانك

29/03/2013

أتمنى ـ هكذا، ببساطة مثلما يفعل أي أحد ـ لو أقدر أن أدخل الشمس بذراعيّ المنفرجات، وأدفئهم بعد برد الليلة الفائتة، ثم أنزل من علوّ الكون الفسيح، أحتضن مخيمك المغموس بالدفء والقداسة، وأدخله من أبواب صدري الواسعة، وأشد عليه بكل حنوّ أمومي الطلعة، وأدنو إليّ هذا الزحام الرمادي المتشعب طرقاً ملتوية وبيوتاً إسمنتية، أدخل فيه وأدخله في مساماتي. أنثره مثل العطر فوق القمصان البيضاء، ويظل المخيم يصغر ويصغر، وتضيق الشوارع تدخل في بعضها، وتتكوّر البيوت على نفسها، تتقارب، وتتجسد فيك عنقاء تذوب في عناقي.

جثة هامدة

04/10/2012

لم يكن يعرف أنها المرة الأخيرة التي يقف بها قبالة مرآته المكسورة من إثر القذائف التي يطلقها على زوجته يومياً، كان الجو عصراً، وكان الطقس حراً، وكانت السماء برتقالية، وما كان الأمر غريباً، أكمل تسريح شعره وإسدال قميصه الفاجر، وشد وثاق حذاءه البني، وخرج. وصل إلى حاجز على حدود المدينة، أظهر بطاقته الشخصية عبر شباك السيارة السمراء وعرفه ضابط حرس الحدود دون أن ينظر إلى البطاقة أصلاً، دفع الرشوة المعتادة، واختفى هو وسيارته في حضن المستعمرة، في ردح طويل من السواد والعتم. في الداخل كما سمعت من الجيران، كان يرقص مع “الجناكي” ويشرب الخمور أصناف وأطعام، وينام مع إحداهن ويرجع في الصباح بأكياس البضائع، وهذا الذي حدث الليلة، يحدث كل ليلة، فما الذي اختلف؟ ومن الذي أتى بالضابط الجديد إلى الحدود خلال تواجد الشاب الأنيق داخل المستعمرة؟ خرج مع الفجر شاهراً في يده زجاجة الويسكي وسار على قدميه مترنحاً بإتجاه الحاجز، أوقفوه ومن شده ضحكه لم يسمعهم، فأطلقوا ما لا يُعد ولا يُحصى من الرصاص على صدره، وكأنّ جنّاً مسّ سلاح الجنود، طلع النهار وجاءت الجثة إلى الحارة محمولة على سرير سيارة الإسعاف، صاح الجميع وطار عقل الحارة، كيف يطلق إبن الشرموطة الرصاص على إبننا الأنيق؟ رفعوا الجثة إلى الأعلى وأزاحوا القماش الأبيض عن جسده فبانت الثقوب السوداء على صدره كأنها أوشام، انهارت والدته وصراخها المرعب يلازمني إلى اليوم وأنا على بُعد عشرين عام من حادثة القتل الأولى التي أشهد كامل تفاصيلها، فما تركت العجوز شعراً في رأسها إلا وشدته ولا إصيص نعناع أو ريحان من تلك الموجودة على شرفة البيت إلا وحملته وطيّرته فوق رؤوس الناس المحتشدين أمام البيت: منهم كي يرى الجثة مثلي، ومنهم كي يحتضن أهل الضحية، أذكر وجهه، ضعيف لا يخلو من صرامة غريبة، وتتراشق بضعة شعرات بيضاء فوق شاربه الأسود العريض، صدره أبيض مثل الثلج المرقّط بنقاط حبر سوداء، لا يبتسم، ولا يعبس، ولا يُمكن لي أن أفهم سر نظرته الغريبة، ولا أخفي عليكم روايتي لأبناء الحارة والأيمان التي أطلقتها عندما أخبرتهم بأن عيناه كانتا مفتوحتان على إتساعهما مصوّبات نحوي، لماذا أنا بالذات؟ وما علاقتي به؟ وهل كان فعلاً ينظر إليّ أم هي صدمة لقائي الأول بجثة ممددة أمامي ولا يبعدني عنها سوى متر واحد؟

الخراب

03/10/2012

I
صار لنا ذكريات يُمكن أن ننساها، ثم نحاول أن نتذكر خيوطها أو شيء مما كانت عليه، كبرنا وراح زمن كبر الشارب، شربنا القهوة دون أن نتشبه بالكبار، صرنا الكبار، وصارت أعيننا تتفتح كباراً إجلالاً لقصص الأطفال الكرتونية، راحت أزمنة كثيرة وراء النهر، وبقينا في قيعان الخراب السحيقة، بعيدين في السراديب. ضاعت الأشياء الجديدة في الهباء، تناثرت مثل قمح الخليفة فوق الجبال. وأكلها الطير، ثم طار، إلى المنتهى طار غراباً كان يتأمل الأشلاء.

II
سيء جداً ومُضني أن تتعثر خُطاكِ في الوقت الذي اتورط فيه في الشك إثر غيابك، حتى وإن كان هذا الغياب عارض، سريع، مؤقت. ويا لها من إحتمالات تلك التي تتصيدني كالفريسة في محاولة إيجاد مبرر مُرضي لإختفاءك القليل. وأعرف جيداً أن هذه الفترة العادية المُحتمل حدوثها في أي يوم هي فرصة مناسبة للتفكير فيكِ، لإشتياقك، لترتيب كلمتي غزل أنثرهما على ربيع وجهك حين ألقاكِ، ولكن أي فكاك من ورطة الشك وحمى الشوق؟

بروباغاندا فلسطينية

14/03/2012

كل قضية عادلة في أي مكان من العالم تحتاج إلى أدوات واضحة لترجمة أبجدياتها ومفرداتها الأولية، ولصناعة تضامن عالمي على مستوياته الشعبية والرسمية من أجل تحويل القضية من مجرد كونها فكرة لامعة في أدمغة أصحابها إلى خطة يعمل الجميع في صالح إنجاحها. وفق معايير محددة ومعروفة مُسبقاً، وهذا ما نجح الفلسطينيين بشكل كبير في بلورته بعد ضياعهم الكبير منتصف القرن الماضي، وقد بلغ التضامن العالمي ذروته في السبعينيات عندما كنا نشاهد الشباب الفلسطينيين إلى جوار رفاقهم الصينيين والفيتناميين والكوبيين كتفاً بكتف في صفوف وكتائب في وجه الإمبريالية والظلم والقمع في فلسطين. لا يحد من عزائمهم أي قوى ولا يفت من عضدهم أي جبروت، لكن على الجانب الآخر تشكل فشل فادح لا يمكن إغفاله وهو حاجتنا الدائمة للبرنامج الطويل إلى جانب الثورية اللحظية المفرطة. غياب المشروع والبرنامج الذي من خلاله يستطيع الجمهور أن يكثّف حشوده ومشاعرة في خدمة الخطة.

غاب المشروع، وغابت فلسطين وغاب جزء كبير من التضامن العالمي ليس فقط بسبب قلة حيلة إطارنا الإعلامي، بل بسبب ضخامة البروباغاندا الإسرائيلية والسيطرة المباشرة على أُس الإعلام العالمي، وهذا ما يطرح السؤال: ماذا يمكن أن يصنع الفلسطيني البسيط الذي يتمترس خلف صفحات التواصل الإجتماعي لمواجهة جبروت أدوات إعلام العدو، وهل من الممكن تحوير معركة الحجارة أمام الدبابة مثلما كانت في الماضي الى صفحة إلكترونية وطنية امام وكالة أنباء عالمية؟ بصراحة، أنا لستُ خبيراً في مجال الإعلام، وإنما أنشر من الفتات ما يمليه عليّ ضميري، ولكن ما دعاني إلى هذه الأقوال، هو دعوة مخرج أمريكي نشر فيلماً عن مجرم الحرب الأوغندي “جوزيف كوني” بهدف إعلام العالم بخطورة هذا الرجل على أطفال أوغندا، وما جعلني أنحاز أكثر للإعلام الشعبي ومدى تأثيره، هي الضجة والمتابعة التي لحقت بالفيلم.

نحن نعيش زمن الخلاصة، زمن الزبدة، والإعلام الحديث الشعبي والإلكتروني شارك بشكل مباشر في وضع الحقيقة الكاملة في يد أي مراقب عادي وبسيط، لكن فهم الحقائق من عدمه يتحدد بإمتلاك أدوات التحليل العلمية والمنطقية. وبناء عليه فأنا كفلسطيني لا أعرف عن أوغندا سوى اسمها، متضامن مع الشعب الأوغندي، وأعتبر أن اعتقال جوزيف كوني ليس مطلباً لحظياً، اعتقال كوني هو دعوة لإعتقال كل مجرمي الحرب والإرهابيين مهما كانت أيديولجياتهم، وهو دعوة لغد أفضل، أكثر أمناً وعدلاً.

لكن إلى أي مستوى نستطيع نحن أن نوجّه نظر العالم إلى القضية الفلسطينية أو إلى شخصية فلسطينة عن طريق فيلم عبر اليوتيوب أو رسالة عبر الفيسبوك. من الواضح أن الوسائل أصبحت سهلة جداً، والفكرة أصبحت بعيدة جداً، إنما نحن بحاجة إلى أفكار خلاقة نتبناها ونخطط لطرحها، ثم نركن إلى الوسائل الإلكترونية الكفيلة بمسألة الأعداد والحشود.

سيرة ذاتية

02/03/2012

في الصحراء، بدأت الأفكار والذكريات تضرب مؤخرة جمجمته وكأنه يمسك ذكرياته بيديه ويلصقها بالشمع الأحمر في قيعان خياله، إذ كان يرتعد من فكرة النسيان، لأن النسيان بحر، وعندما تبدأ بنسيان الأشياء الصغيرة، تتداعى الأشياء الكبيرة تباعاً، فلا قيمة للمذبحة إن نسيت وجوه الضحايا وأسماءهم وأسماء عشيقاتهم، كان يذكر أمه وأبيه الذين ودعهما قبل قليل، وكأن أحداث هذا الصباح حدثت منذ زمن بعيد، وعلى العكس حين يذكر الماضي السحيق. الصحراء طويلة، والرمل خفيف، والهواء يطير، والماء واحات، والنخيل أيقونات، واللون الأصفر يتدرج ويتموّج، والطريق المعبد بلا نهاية، والسيارة المرسيدس تخترق سيناء والشمس، السيارة تخترق كل شيء حتى حاجز الخوف من تيه بني إسرائيل. تلك الأيام نداولها، وتأتيك الآيات في مكانها، فكيف طردوك طفلاً أنت وأهلك قبل ثلاثة عشر سنة، وسارت بكم القافلة من المجدل إلى غزة، من البيت الكبير الواسع، من الغرف البيضاء المضاءة بالزيوت، من حجارة جاءتكم من جبال الوسط، من أبواب عالية وداكنة، من شبابيك يتدلى منها البيت إلى أرض البرتقال، من غرفة القماش والفئران، من الدكّة الرخامية والعلّية التي ينفض فيها جدك تبغه منذ سقوط العثمانيين، وعندما يأتي السفاحين بأدوات القتل، يخرج البسطاء من كل مكان خائفين، منهم من نسي ولده، ومنهم من نسيت جواهرها، ومنهم من نسي أن يخرج فمات، طردوك أنت وأخوتك، وأبيك وأخوته، وجدك وأخوته، خرجوا من البيت في حر الصيف ومشوا جنوباً في شارع ترابي يغلي من تحت أقدامهم، ولم يكن يشغل بالك سوى دفتر الحساب الذي نسيته على الرّف في المدرسة ولكن كيف سترجع له بعد أسبوع مثلما تعتقد؟ كانت الطريق وعرة، طويلة عليك يا طفل الأطفال، وحذاءك الذي انفرط من الجري أطال عليك الطريق أضعافاً، وأبيك الذي يتقطع قلبه عليك، ويبتسم لك: يا كون من البراءة ـ إن غابت المصاحف حلفوا عليك ـ لماذا أتعبوك وهجّروك؟ وكيف نبرر لك هذا الخروج الملحمي من الجنة إلى المجهول؟ لكن لا بأس عليك، وليس لك أن تقلق فقد قالت لك جدتك أن لك الأيام ستكون طوال وسعيدة، كيف لا وقد خرجت من رحم أمك يوم زفاف خالك، وبدلاً من أن يحضنوك بملابس الأطفال، حملوك بغطاء الرأس الأبيض الخاص بالعروس، التي ستصبح فيما بعد أم لقمان، لا بأس عليك ولا خوف، حتى عمّتك المريضة التي نامت في حفرة بجانب البيت ليلة كاملة لأنها كما تقول أن ملك الموت كان قد حجز لها مقعداً، خرجت من القبر ومن المدينة وهاجرت وعاشت سبعين سنة بعد هذه الحادثة، لا بأس عليك، ولا خوف من شحوب وجهك وجفاف شفتيك، لا خوف عليك، ولا تثريب على والديك. يا الله، أين أنا؟ وما الذي أتى بأم لقمان إلى سيناء؟ هي عادة الذكريات حين تدب، لا قانون يسيّرها ولا أوان يحدّها، تحملك من الشرق وتضعك في الغرب، وانت غريق في محيط أصفر يضرب الموج فيه فوق الموج، وفي الأفق ـ والأفق في الصحراء من كل جانب ـ تدنو وجوه الأصحاب وتعلو، وتذكر الكروم في حي الزيتون والغابة الممتدة من الشرق وحتى مدرسة فلسطين، كبرت يا أبي وتعلمت ألا تنسى دفترك داخل الفصل لأنه لن يعود، وصرت تعرف كل الشجرات وكل الأعشاش، فلم تسلم من يدك ساعة القطاف ثمرة ولا عصفور، كبرت هناك وخشن صوتك وصرت تشرب القهوة وتحلق ذقنك، وصرت تميّز بين الشلبيات والشقراوات، عشت هناك أياماً جميلة كما وعدَت جدتك، لم تنكر أنّ زيت السمك كان يزعجك إذ كان شربه غصباً في مدراس وكالة الغوث، ولم تنكر أن حلق الشعر الإجباري ورش الرؤوس بالمبيدات كان يجرحك، لكن حي الزيتون كان مؤقتاً يا متشرد، إذهبوا إلى مخيم الشاطيء أيها اللاجئين: اشربوا من البحر، أو سيروا على الماء. كانها فعلاً تمشي السيارة على الماء فوق هذا الطريق المعبّد بالسراب الذي لا ينتهي ولا يزول إنما يهرب مثلنا كلما اقترب البدوي منه. كانت السيارة سريعة، والرحلة بطيئة، والوصول مأمول، والغد مجهول، والحياة ضنك، والحياة يأس، وفلسطين بعيدة، ليست بمسافة الثورة ولا ما يحزنون، وليس أجمل من هذه اللحظة لأن تغفو قليلاً وتسند رأسك إلى زجاج السيارة، فمن الممكن أن ترى شجرة البلوط أو السنديان في حلم ما، وقفت السيارة وأيقظوك، ونزل الجميع للراحة في منتصف الطريق ولكي تشربا: السيارة من الوقود الخليجي، وأنت من ماء النيل، ماء النيل؟ وبلاد النيل لازالت ثائرة منذ أن ضاق حكم الملك بالضباط ذرعا، ولكن هل ثمة أمل له علاقة من قريب أو بعيد بآلات الغزل والنسيج التي أكلها الغبار والصدأ؟ يا إلهي، ما الذي جاء بالصدأ إلى الصحراء، ولماذا عليّ الآن ـ في الإستراحة ـ أن أفكر بألواح الصفيح فوق سطح البيت في مخيم الشاطيء؟ لكن لا خوف على المخيم ولا هم يخيفون، خصوصاً في الصيف، فإن هواء الشاطيء يتخلل ويتغلغل في أشباه الجدران وأشباح البيوت ويُشرح الصدور، على ضيق المخيم وأوساخه الكثيرة ومستنقعاته المرعبة، لكنك تعرف أن المخيم هو قلعة الصمود الأخيرة في وجه الظالمين وهذا يغفر، لكن تعرف أيضاً أن معرفتك هذه اكتسبتها من المهرجانات فقط. يأخذك السائق من أفكارك عندما يصيح: إركبوا، وتقول في سرّك: ألن تنتهي الصحراء؟ تعبت من السفر الطويل أفكاري، وإذا لم ينته الطريق الآن سأفقد ما تبقى من رأسي، أرجوك يا سيناء لا تفعلي في دماغي البسيطة ما فعلتِ ببني إسرائيل الأشرار. يصيح السائق مرة أخرى: الحمد لله على السلامة. لكنك لا تذكر كيف نمت، وكيف غرقت في ثبات طويل، وكيف وصلت إلى محطة رمسيس وسط القاهرة؟ أنت هنا ـ يا حبيبي ـ تبعد مئآت الأميال عن أمك التي تعد لك الطعام والدلال والقهوة، والتي تغسل ملابسك وشراشفك من القهوة، أمك التي تصنع لك الكعك وتطحن القهوة، بعيد عنها وعن رائحة بلادك، لكن لا ضير عليك، فأنت في مصر، لا مخيم الشاطيء ولا غزة كلها، يبيع أبوك القماش في غزة، ويرسل لك المصاريف، تدرس في عين شمس، وتسكن الدمرداش، وتتابع الأفلام في وسط البلد، ودروس الشيخ كشك في مسجده، وتدور الأيام وتطول وحدتك في مصر، ويقتلك اليأس بعد الحرب، وتصير فلسطين أبعد مما كنت تتخيل، فلا سبيل إلا الهرب، وليس لك الآن سوى أروقة كلية الطب، ورفوف مكتبة الشعر الجاهلي، وكلام الشيخ ونصائحه لك بالعفّة والزواج، ويقنعك، ويأخذك إلى الفيوم ويزوجك طفلة جميلة من الأرياف، في عرفهم:" صبية بالغة"، على الرغم من رفض الكثيرين لهذا الزواج الذي سيكلف أهل العروس غيابها، لكن الجد صوفي يقول كلمته في ابنته البكر: إلى فلسطين، إلى الأرض المقدسة يا ولدي. تنام معها في بيت أبيها الريفي، الذي يشبه مركب خشبي قديم يغرق في بحر أخضر، تعيش سنتين من أجمل سنيّ عمرك في غرفة من القش والطين، تنهي دراستك، وتعود إلى غزة أنتَ وزوجك وطفل في بطنها، وخيال جامح حول معنى أن تعود.

غوانتناموا

21/02/2012

انتهت رائعة العبقري يوسف زيدان الأخيرة (محال) بذكر غوانتناموا لا على سبيل تفصيل ما يجهله الكثيرين عن عدد الزنازين وطرق التعذيب وأساليب الإستجواب، ولم يكن يحاول إستكمال أو إضافة تفاصيل جديدة على ما يحدث في شرق المتوسط وما أستفاض المنيف في ذكره، ولكن كانت كلمة غوانتناموا الكلمة الرمز الأخيرة والوحيدة والفصل في حياة أبو بلال البسيط جزاء طيبته، وجزاء حسن النية أيها العربي. جاءت النهاية صادمة على الرغم من توقعها، ودعوة لشعوب العالم الجديد ببدء الجري بحثاً عن الحرية، واقتلاعها من صدور الأشرار، والخروج ليس من رمزية المعتقل فقط، ولكنها دعوة عامة للخروج من أي صندوق.

حيّرنا يوسف زيدان في عنوان الرواية عندما كتب (محال) بدون تشكيل الحروف، فلو كانت الميم مضمومة لكانت إستحالة، ولو كانت مفتوحة لصارت جمع لما معناه الأمكنة، ولو كانت الميم مكسورة لأضحت مكيدة ومكر، لكنه تركنا في غمرتنا حيارى، كي يختبر قوّتنا على الخروج من الإشكال. من القفص.

يطل علينا بطل الرواية كأي شاب عربي موزون تطربه الأغاني والقرآن على حد سواء، يعمل في مرافقة السائحين، يتنقل بهم بين حجارة المعابد القديمة، ويتماهى معهم في رائحة التاريخ، وبعد أن ينتهى من سرد التاريخ باللغات الأربع ينتقل من أسوان إلى أم درمان ليلتقي بأمه وأبيه وجيرانه وأسامة بن لادن، ولما جاءت حسناء خجول مع مجموعة من الطلاب من الإسكندرية، قرر الله أن يجعل من وجهها خلاصاً لقلبه، ويجعل من عقله ماءٍ يرق ويراق، وأن يسافر هذه المرة ـ على غير العادة ـ شمالاً، بإتجاه الجنة، جنته، وتكون الأيام طوالاً، ويكون بحر، ويكون عشق، ويكون ورد، ويكون مُلك ومليكة، ويكون حي كرموز، وتكون الشقة العلوية، ويكون السرير، فيقرر الله مرة أخرى أن تتدخل المخابرات لتغلق باب الجنة، وأن تختفي هيباتيا وتغرب في موج الإسكندرية، شط الهوى، فعليه أن يدرك في هذه اللحظة أنها لم تعد قريبة، وأن حبل الوصال مقطّع، وإن إستمراره بقلب من ريش سيرديه قتيلاً في الهوى. فعليه أن يدرك أنه ليس أمام العاشق إلا الهروب، من مشاع مصر إلى خليج فارس والعرب، النفط والطول، إلى أوزبكستان البيضاء الناعمة المختبئة في الثلج والليل والخمر والدين، إلى أفغانستان والجبل والكاميرا والإختباء والهروب والإعتراف، إلى غوانتناموا.

موسيقى في المقهى

06/11/2011

ضجة ما بعدها ضجة تدب في عظام الرأس من الخلف وترتد بخفة عبر خطوط متعرجة في محاولة منها لإنقاذ ألم في الرأس قد يحدث وما حان موعده بعد، ولكن يمكن في حالة مثل هذه إعادة صف وتشكيل مجاميع الأصوات المتناثرة لتتضح منها في النهاية ملامح مقطوعة موسيقية فريدة ومتوافقة في فوضى خلاقة، فالأجدر بهذه الأصوات التي تأتي توالياً وتوازياً وتزاحماً أن تُشكل فيما تتصاعد نوتةً لا إنتهاء لها، كيف لا وهي في مجملها أصوات بشرية منتشرة في المدى، فهذه حنجرة أم كلثوم تتصاعد عبر مكبرين للصوت يتواجد كل واحد منهما في طرف من المقهى، وهذه حناجر الرجال المبحوحة أصواتهم بفعل التدخين المزمن، ورجال آخرين ملمّعين قابعين خلف طاولة في ركن بعيد نسبياً لئلا يؤذيهم رفع الصوت أو يوسّخ قمصانهم البيضاء، وصياح أطفال يبيعون الحلوى والنعناع يجيئون ويغيبون واحد تلو الآخر كي لا يطردهم صاحب المقهى، وخلف كل هذه الأفواه والحناجر يقف كورال مكوّن من ماكينة لطحن القهوة وأخرى لغليها وثالثة لتغليفها، وفي الواجهة جمهور من السيارات لا عدد لأشكالها وألوانها، وأرجل أناس تتخبّط في الطريق المحاذي زرافاتٍ وعرفانا، وأنا وسطهم أحاول أن أرتّب هذه الشظايا لأكوّن منها عبوة ناسفة تفجّر هذا الملل القابع في كل جزء من هذا التكوين اللانهائي من التفاصيل التي تغلّف المدينة، وتأتي هنا الموسيقى درامية وهادئة بما يتناسب مع مشهد الإنفجار العظيم.

رقصة شعبية

28/10/2011

يبدأ الرقص قبل أن يبدأ العزف، وهذا ما بدا واضحاً على وجوه كل من حضر الحفل لا للمجاملة فقط، بل للحظو بساعة فرح وضوضاء يفرغ فيها كل أوجاع الحياة التي تترسب في ذهنه الضحل الممتليء، ففي وجه هذا سمرة شعبية تنم عن جذور لها علاقة بالدبكة الشعبية وفي وجه آخر بياض ينم عن ذوقه أبيه الرفيع في سماع الموسيقى الذي ورثه للأبناء، وفي وجه ذاك شحوب يظهر بين ثناياه تردد بين السالسا والتانغو، وفي إفريقية وجه ذاك وشعره تبدو الرقصات البربرية أوضح من أي شيء آخر أسفل عينيه، هكذا بدا الجالسون على الكراسي البلاستيكية في إنتظار أن يأذن المغنّي لفرقته التي ما تلبث إلا أن تقلب شارع الحي إلى شعب من الراقصين لا يقطع رقصهم إلا خوف المغنّي من ثورة الرقص وجنونه، فيتقمص دور إله الرقص ويبدأ وحده بتنظيم الحشود فيبعد الراقصين العشوائيين عن المنصة ويطالبهم بالحضور خمسة تلو خمسة وبعد شطحات من الصياح يستجيب البعض فيظهر برود الأجساد في أنحاء المنصة، فيتردد المغني ويعلي صوته مرة آخرى أن تعالوا، فتأتي الخواصر والأكتاف والأقدام من حيث لا يحتسب، ويستمر الرقص مجدداً إلى ما لا يعلم أحد، فكل واحد من الحضور كان منشغلاً وقتها برقصته الخاصة التي لا علاقة لها في أغلب الأحيان بباقي الرقصات من حوله، الكل هنا على منصة القربان يضحي بسوائله التي تندلق من الأجساد مثل الدم على الأرض، وفي حضرة الدم والعرق تجد الجميع يتبادلون الصرخات والهتافات ويتقابلون بحركات الأيدي العشوائية وركلات الأرجل المختلفة وحني الأجساد الكبيرة والصغيرة، ووقفزات ثم قفزات وصخب لا يعلم به إلا الله. والمشهد الأكثر درامية من كل الصخب السابق، هو توقف فرقة العزف والمغنى معاً في فجأة مريبة يُفهم مرادها فيما بعد على أنها فترة إستراحة قصيرة خلال الحفل، وقبل إطلاق الجزء الثاني من الحفل يبدأ المغنى مواله غريب الكلمات والمعاني، الذي لا يمت غالباً بصفة للهجة الحي، والأكثر غرابة من الموال، هو ترديد الراقصين له بالكلمة والحرف، فيزيد هذا الترديد من حماس الحشود مما يساعد في الإصطفاف اللإرادي وسط المنصة في صفين يتقابل كل صف منهم بالأكتاف، متمايلين يمين ويسار ببطء يتناغم مع الموال، وليس من عادة الموال أن ينتهي، ويبقى الشعب يتمايل، ويبقى الموال غريبٌ يسيّرهم.

بعد ما ذُكر، بات من الواضح في تحليلي الوضيع، والمُدرك في خيالي الرضيع، أنه لم يعد بالإمكان إيجاد صيغة أكثر واقعية لتفسير حالة اللاوعي وغياب الرؤيا والمعاني أفضل من مشهد شعب يرقص بلا هدف.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 28 other followers